محمد جواد مغنية

108

في ظلال نهج البلاغة

وقال للمسلمين يوما آخر : من كنت مولاه فعليّ مولاه . . من أجل ذلك كله أقبل العباس بعد وفاة النبي وقال له : مد يدك أبايعك ، ولكن عليا أبى مخافة الفتنة . . وجاءه أبو سفيان الذي حارب النبي ( ص ) ولم يسلم إلا كارها لا طائعا ، واعترف بأن لا إله إلا اللَّه ، ولكن حين طلب اليه أن يشهد ان محمدا رسول اللَّه قال : أما هذه فإن في نفسي منها شيئا ، ولولا حثّ العباس له وتخويفه القتل لما اعترف بهذه الشهادة التي كان في نفسه منها شيء . . فهو اذن أحد الطلقاء . . جاء أبو سفيان إلى علي وقال له : ابسط يدك أبايعك ، ولكن عليا أبى أن يستجيب خوفا من إثارة الفتنة . ( أفلح من نهض بجناح ، أو استسلم فأراح ) . المراد بالجناح هنا القدرة ، والمعنى ان من يملك القدرة ، ويستغلها في إحقاق الحق ، وإزهاق الباطل فقد ربح وفاز ، أما العاجز فخير له وللناس أن يصبر حتى إذا مرت الفرصة انتهزها ، ومن أقوال الإمام : « من الخرق المعاجلة قبل الامكان ، والأناة بعد الفرصة » . . لقد آذت قريش رسول اللَّه ( ص ) وقال عنه عتاتها : شاعر وساحر ، وكاهن ومجنون ، ووثبوا عليه يوما ، فأخذ بعضهم بخناقه ، وجذبه آخر بثوبه ، ونتف ثالث من شعره . . وحرشوا عليه الصبيان فطاردوه ورموه بالحجارة حتى أصيب في قدميه ، وسالت منها الدماء . . كل هذا وأكثر من هذا حدث لرسول الرحمة ( ص ) دون أن يحرك ساكنا طاعة للَّه في قوله : « واصبر على ما أصابك ان ذلك من عزم الأمور » . . « واصبر حتى يحكم اللَّه » . ( هذا ماء آجن ، ولقمة يغص بها آكلها ، ومجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع في غير أرضه ) . هذه إشارة إلى طلب الخلافة ، والظروف غير مؤاتية ، وانه من الحمق وسوء التصرف أن يطلبها أو يتصدى لها مع المقاومة وإعلان الحرب من أجلها ، لأنها كانت بالنسبة اليه بعد وفاة الرسول ( ص ) كالماء الذي لا يستساغ شربه ، واللقمة يغص بها الآكل . والثمرة المقطوفة قبل النضوج ، ومن قطف الثمرة قبل الأوان لا ينتفع بها كما أن من زرع في غير أرضه لا ينتفع بما زرع . . وليس معنى هذا أن العاجز لا ينبغي له أن يطالب بحقه ، كلا ، بل أن يطالب ويحتج ، ولكن على قدر طاقته . . وأشرنا فيما سبق إلى احتجاج الإمام ( ع ) على من سبقه إلى الخلافة .